محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
243
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
واستوى قصد ، واستوى استولى ، واستوى علا . قال : وإنّما قيل للقصد إلى الشيء استواء لأنّ الاستواء يسمّى قصدا ، يقال أمر قاصد وعلى قصد أي على استقامة واستواء ؛ ولمّا سمّي القصد استواء ؛ سمّي الاستواء قصدا . قال اللّه تعالى : فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ أي مستو مستقيم ؛ ويقال للطريق المستوي : سواء الطريق وقصد الطريق ؛ وهذا الذي ذكره [ ليس له دلالة على الآية ] « 1 » لأنّ القصد الذي يفسّر استوى إلى السماء به هو الإرادة ، وقصد الطريق بمعنى آخر ؛ فاستبهم عليه الأمر لاشتراك الاسم . و « ثمّ » للتراخي والتأخير ، يرجع إلى خلق السماء لا إلى القصد والإرادة ، ويحتمل أن يكون تقديره ثمّ أخبركم بأنّه استوى إلى السماء ؛ والوجهان ضعيفان غير أنّ التراخي في الفعل جائز ، لكنّ التراخي في القصد ، وهو عند « المتكلّم » صفة ؛ فلا يجوز التراخي فيه ؛ لأنّه يوجب الحدوث ، ومن فسّر الاستواء بالإقبال والفعل على توسّع كلام العرب فثمّ يصحّ معناه فيه . وقال قائلون : استوى بمعنى علا وارتفع ، ومنه قوله تعالى : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ وقال قائلون : استوى أمره وصنيعه ؛ وهذا قول الحسن ورواية جويبر عن الضحّاك ، قال : استوى أمره فوق بريّته وقهرهم بسلطانه ؛ وقال الكلبي : استوى إلى السماء ، أي صعد . قال بعضهم : يعني صعد أمره ؛ وقال ابن جريج : استوى بمعنى علا وارتفع يدبّر الأمر فيها ؛ وقيل : الاستواء بمعنى الاقتدار والقهر ، قال الشاعر : فلمّا علونا واستوينا عليهم * جعلناهم صرعى لنسر وكاسر وقيل : الاستواء بمعنى الاستقامة والاعتدال يقال : استوى الرجل إذا قام واعتدل وتمّت قواه . قالوا : وهذا الوجه لا يصحّ إطلاقه في حقّ الباري تعالى ؛ وقيل : إنّ الاستواء إظهار فعل في السماء سمّاه استواء ، وهذا القول ممّا لا يفهم معناه ؛ وهذا كلّه تسوية آيات القرآن على المذاهب . فمن أثبت الجهة للّه تعالى من المتكلّمين ( 104 ب ) يفسّر الاستواء بالعلوّ والصعود ؛ ومن نفى الجهة فسّره بالقصد ؛ والأمر والقصر ؛ وليس الاستواء في اللغة بأعجب من الإتيان والمجيء في قوله : وَجاءَ رَبُّكَ و فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ ؛ ومن عرف كلام
--> ( 1 ) . هذه العبارة ساقطة من الأصل وأضفناها كما يقتضي السياق .